والمقصود هنا أن بيان هذه الأصول وقع في أول ما أنزل من القرآن . فإن
nindex.php?page=treesubj&link=29067أول ما أنزل من القرآن {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقرأ باسم ربك } عند جماهير
[ ص: 255 ] العلماء . وقد قيل {
nindex.php?page=tafseer&surano=5570&ayano=74يا أيها المدثر } روي ذلك عن
جابر . والأول أصح . فإن [ ما ] في حديث
عائشة الذي في الصحيحين يبين أن أول ما نزل {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقرأ باسم ربك } نزلت عليه وهو في
غار حراء وأن " المدثر " نزلت بعد .
وهذا هو الذي ينبغي . فإن قوله {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=17اقرأ } أمر بالقراءة لا بتبليغ الرسالة وبذلك صار نبيا . وقوله {
nindex.php?page=tafseer&surano=5571&ayano=74قم فأنذر } أمر بالإنذار وبذلك صار رسولا منذرا .
ففي الصحيحين من حديث
الزهري عن
عروة عن {
nindex.php?page=hadith&LINKID=597857عائشة قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم . فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك . ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء .
فجاءه الملك فقال : اقرأ .
قال : ما أنا بقارئ .
قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ .
[ ص: 256 ] فقلت : ما أنا بقارئ .
فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ .
فقلت : ما أنا بقارئ .
فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : { nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقرأ باسم ربك الذي خلق } { nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خلق الإنسان من علق } { nindex.php?page=tafseer&surano=6205&ayano=96اقرأ وربك الأكرم } { nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96الذي علم بالقلم } { nindex.php?page=tafseer&surano=6207&ayano=96علم الإنسان ما لم يعلم } .
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده . فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني . زملوني [ فزملوه ] حتى ذهب عنه الروع .
فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي .
فقالت له خديجة : كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق .
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد [ ص: 257 ] العزى ابن عم خديجة . وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبري فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي .
فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك .
فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ .
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى .
فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى . يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أومخرجي هم ؟ .
قال : نعم لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي . وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا .
} ثم لم ينشب
ورقة أن توفي وفتر الوحي .
قال
ابن شهاب الزهري سمعت
nindex.php?page=showalam&ids=233أبا سلمة بن عبد الرحمن قال أخبرني
جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث
[ ص: 258 ] عن فترة الوحي : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=597858فبينما أنا أمشي سمعت صوتا فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجئت حتى هويت إلى الأرض . فجئت أهلي فقلت : زملوني زملوني فزملوني . فأنزل الله تعالى { nindex.php?page=tafseer&surano=5570&ayano=74يا أيها المدثر } { nindex.php?page=tafseer&surano=5571&ayano=74قم فأنذر } إلى قوله { nindex.php?page=tafseer&surano=5574&ayano=74والرجز فاهجر } } .
فهذا يبين أن " المدثر " نزلت بعد تلك الفترة وأن ذلك كان بعد أن عاين الملك الذي جاءه
بحراء أولا . فكان قد رأى الملك مرتين .
وهذا يفسر حديث
جابر الذي روي من طريق آخر كما أخرجاه من حديث {
nindex.php?page=hadith&LINKID=597859يحيى بن أبي كثير قال : سألت nindex.php?page=showalam&ids=233أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن . قال : { nindex.php?page=tafseer&surano=5570&ayano=74يا أيها المدثر } . قلت : يقولون { nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقرأ باسم ربك الذي خلق } . فقال nindex.php?page=showalam&ids=233أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك [ و ] قلت له مثل ما قلت فقال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : جاورت بحراء ; فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت أمامي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا . فرفعت رأسي فرأيت شيئا . فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء باردا فدثروني وصبوا علي ماء باردا .
[ ص: 259 ] قال : فنزلت { nindex.php?page=tafseer&surano=5570&ayano=74يا أيها المدثر } { nindex.php?page=tafseer&surano=5571&ayano=74قم فأنذر } { nindex.php?page=tafseer&surano=5572&ayano=74وربك فكبر } } .
فهذا الحديث يوافق المتقدم وإن " المدثر " نزلت بعد أن هبط من الجبل وهو يمشي وبعد أن ناداه الملك حينئذ . وقد بين في الرواية الأخرى أن هذا الملك هو الذي جاءه
بحراء وقد بينت
عائشة أن {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=17اقرأ } نزلت حينئذ في
غار حراء . لكن كأنه لم يكن علم أن {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=17اقرأ } نزلت حينئذ بل علم أنه رأى الملك قبل ذلك وقد يراه ولا يسمع منه . لكن في حديث
عائشة زيادة علم وهو أمره بقراءة {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=17اقرأ } .
وفي حديث
الزهري أنه سمى هذا " فترة الوحي " وكذلك في حديث
عائشة " فترة الوحي " . فقد يكون
الزهري روى حديث
جابر بالمعنى وسمى ما بين الرؤيتين " فترة الوحي " كما بينته
عائشة ; وإلا فإن كان
جابر سماه " فترة الوحي " فكيف يقول إن الوحي لم يكن نزل ؟ .
وبكل حال
فالزهري عنده حديث
عروة عن
عائشة ; وحديث
nindex.php?page=showalam&ids=233أبي سلمة عن
جابر ; وهو أوسع علما وأحفظ من
يحيى بن أبي كثير لو اختلفا . لكن
يحيى ذكر أنه سأل
nindex.php?page=showalam&ids=233أبا سلمة عن الأولى فأخبر
جابر بعلمه ولم يكن علم ما نزل قبل ذلك
وعائشة أثبتت وبينت .
[ ص: 260 ] والآيات آيات " اقرأ " و " المدثر " تبين ذلك والحديثان متصادقان مع القرآن ومع دلالة العقل على أن هذا الترتيب هو المناسب .
وإذا كان أول ما أنزل {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقرأ باسم ربك الذي خلق } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خلق الإنسان من علق } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6205&ayano=96اقرأ وربك الأكرم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96الذي علم بالقلم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6207&ayano=96علم الإنسان ما لم يعلم } ففي الآية الأولى إثبات الخالق تعالى وكذلك في الثانية .
وفيها وفي الثانية الدلالة على إمكان النبوة وعلى نبوة
محمد صلى الله عليه وسلم .
أما الأولى فإنه قال
nindex.php?page=treesubj&link=29067 { nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقرأ باسم ربك الذي خلق } ثم قال {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خلق الإنسان من علق } . فذكر الخلق مطلقا ثم خص خلق الإنسان أنه خلقه من علق . وهذا أمر معلوم لجميع الناس كلهم يعلمون أن الإنسان يحدث في بطن أمه وأنه يكون من علق . وهؤلاء بنو
آدم .
وقوله الإنسان هو اسم جنس يتناول جميع الناس ولم يدخل فيه
آدم الذي خلق من طين . فإن المقصود بهذه الآية بيان الدليل على الخالق تعالى والاستدلال إنما يكون بمقدمات
[ ص: 261 ] يعلمها المستدل . والمقصود بيان دلالة الناس وهدايتهم وهم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق .
فأما خلق
آدم من طين فذاك إنما علم بخبر الأنبياء أو بدلائل أخر . ولهذا ينكره طائفة من الكفار
الدهرية وغيرهم الذين لا يقرون بالنبوات .
وهذا بخلاف ذكر خلقه في غير هذه السورة . فإن ذاك ذكره لما يثبت النبوة وهذه السورة أول ما نزل وبها تثبت النبوة فلم يذكر فيها ما علم بالخبر بل ذكر فيها الدليل المعلوم بالعقل والمشاهدة والأخبار المتواترة لمن لم ير العلق .
وذكر سبحانه خلق الإنسان من العلق وهو جمع " علقة " وهي القطعة الصغيرة من الدم لأن ما قبل ذلك كان نطفة والنطفة قد تسقط في غير الرحم كما يحتلم الإنسان وقد تسقط في الرحم ثم يرميها الرحم قبل أن تصير علقة . فقد صار مبدأ لخلق الإنسان وعلم أنها صارت علقة ليخلق منها الإنسان .
وقد قال في سورة القيامة {
nindex.php?page=tafseer&surano=5663&ayano=75ألم يك نطفة من مني يمنى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5664&ayano=75ثم كان علقة فخلق فسوى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5665&ayano=75فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5666&ayano=75أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } فهنا ذكر هذا على إمكان النشأة الثانية التي تكون من التراب . ولهذا قال في موضع آخر {
nindex.php?page=tafseer&surano=2622&ayano=22يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة } ففي القيامة استدل بخلقه من نطفة فإنه معلوم لجميع الخلق وفي الحج ذكر خلقه من تراب فإنه قد علم بالأدلة القطعية . وذكر أول الخلق أدل على إمكان الإعادة .
وأما هنا فالمقصود
nindex.php?page=treesubj&link=29067_28661_28659_29426ذكر ما يدل على الخالق تعالى ابتداء فذكر أنه خلق الإنسان من علق وهو من العلقة الدم يصير مضغة وهو قطعة لحم كاللحم الذي يمضغ بالفم ثم تخلق فتصور كما قال تعالى {
nindex.php?page=tafseer&surano=2622&ayano=22ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم } فإن الرحم قد يقذفها غير مخلقة . فبين للناس مبدأ خلقهم ويرون ذلك بأعينهم .
وهذا الدليل وهو خلق الإنسان من علق يشترك فيه جميع الناس . فإن الناس هم المستدلون وهم أنفسهم الدليل والبرهان والآية . فالإنسان هو الدليل وهو المستدل كما قال تعالى {
nindex.php?page=tafseer&surano=4747&ayano=51وفي أنفسكم أفلا تبصرون } وقال {
nindex.php?page=tafseer&surano=4312&ayano=41سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } . وهذا كما قال في آية أخرى {
nindex.php?page=tafseer&surano=4822&ayano=52أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } .
[ ص: 263 ] وهو دليل يعلمه الإنسان من نفسه ويذكره كلما تذكر في نفسه وفيمن يراه من بني جنسه . فيستدل به على المبدأ والمعاد كما قال تعالى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2335&ayano=19ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا } {
nindex.php?page=tafseer&surano=2336&ayano=19أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } وقال تعالى {
nindex.php?page=tafseer&surano=3819&ayano=36وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=3820&ayano=36قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } .
وكذلك قال
زكريا لما تعجب من حصول ولد على الكبر فقال {
nindex.php?page=tafseer&surano=2277&ayano=19أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } {
nindex.php?page=tafseer&surano=2278&ayano=19قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } ولم يقل " إنه أهون عليه " كما قال في المبدأ والمعاد {
nindex.php?page=tafseer&surano=3466&ayano=30وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } .
وقال سبحانه {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خلق الإنسان من علق } بعد أن قال {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=2الذي خلق } . فأطلق الخلق الذي يتناول كل مخلوق ثم عين خلق الإنسان فكان كل ما يعلم حدوثه داخلا في قوله {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=2الذي خلق } .
وذكر بعد الخلق التعليم الذي هو التعليم بالقلم وتعليم الإنسان ما لم يعلم . فخص هذا التعليم الذي يستدل به على إمكان النبوة .
ولم يقل هنا " هدى " فيذكر الهدى العام المتناول للإنسان
[ ص: 264 ] وسائر الحيوان كما قال في موضع آخر {
nindex.php?page=tafseer&surano=6036&ayano=87سبح اسم ربك الأعلى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6037&ayano=87الذي خلق فسوى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6038&ayano=87والذي قدر فهدى } وكما قال
موسى {
nindex.php?page=tafseer&surano=2418&ayano=20ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } لأن هذا التعليم الخاص يستلزم الهدى العام ولا ينعكس . وهذا أقرب إلى إثبات النبوة فإن النبوة نوع من التعليم .
وليس جعل الإنسان نبيا بأعظم من جعله العلقة إنسانا حيا عالما ناطقا سميعا بصيرا متكلما قد علم أنواع المعارف ; كما أنه ليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته . والقادر على المبدأ كيف لا يقدر على المعاد ؟ والقادر على هذا التعليم كيف لا يقدر على ذاك التعليم وهو بكل شيء عليم ولا يحيط أحد من علمه إلا بما شاء ؟ وقال سبحانه أولا {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96علم بالقلم } فأطلق التعليم والمعلم فلم يخص نوعا من المعلمين . فيتناول تعليم الملائكة وغيرهم من الإنس والجن كما تناول الخلق لهم كلهم .
وذكر التعليم بالقلم لأنه يقتضي تعليم الخط والخط يطابق اللفظ وهو البيان والكلام . ثم اللفظ يدل على المعاني المعقولة التي في القلب فيدخل فيه كل علم في القلوب .
وكل شيء له حقيقة في نفسه ثابتة في الخارج عن الذهن ثم
[ ص: 265 ] يتصوره الذهن والقلب ثم يعبر عنه اللسان ثم يخطه القلم . فله وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي وجود في الأعيان والأذهان واللسان والبنان . لكن الأول هو هو وأما الثلاث فإنها مثال مطابق له . فالأول هو المخلوق والثلاثة معلمة . فذكر الخلق والتعليم ليتناول المراتب الأربع فقال {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقرأ باسم ربك الذي خلق } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خلق الإنسان من علق } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6205&ayano=96اقرأ وربك الأكرم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96الذي علم بالقلم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6207&ayano=96علم الإنسان ما لم يعلم } وقد تنازع الناس في
nindex.php?page=treesubj&link=28606الماهيات هل هي مجعولة أم لا ؟ وهل ماهية كل شيء زائدة على وجوده ؟ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين الصواب في ذلك وأنه ليس إلا ما يتصور في الذهن ويوجد في الخارج .
فإن أريد الماهية ما يتصور في الذهن . وبالوجود ما في الخارج أو بالعكس فالماهية غير الوجود إذا كان ما في الأعيان مغايرا لما في الأذهان .
وإن أريد بالماهية ما في الذهن أو الخارج أو كلاهما وكذلك بالوجود فالذي في الخارج من الوجود هو الماهية الموجودة في الخارج وكذلك ما في الذهن من هذا هو هذا ليس في الخارج شيئان .
[ ص: 266 ] وهو
nindex.php?page=treesubj&link=28661_28784سبحانه علم ما في الأذهان وخلق ما في الأعيان وكلاهما مجعول له . لكن الذي في الخارج جعله جعلا خلقيا . والذي في الذهن جعله جعلا تعليميا . فهو الذي {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=2خلق } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خلق الإنسان من علق } وهو {
nindex.php?page=tafseer&surano=6205&ayano=96الأكرم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96الذي علم بالقلم } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6207&ayano=96علم الإنسان ما لم يعلم } .
وقوله {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96علم بالقلم } يدخل فيه تعليم الملائكة الكاتبين ويدخل فيه تعليم كتب الكتب المنزلة . فعلم بالقلم أن يكتب كلامه الذي أنزله كالتوراة والقرآن بل هو كتب التوراة
لموسى .
وكون
محمد كان نبيا أميا هو من تمام كون ما أتى به معجزا خارقا للعادة ومن تمام بيان أن تعليمه أعظم من كل تعليم كما قال تعالى {
nindex.php?page=tafseer&surano=3417&ayano=29وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } فغيره يعلم ما كتبه غيره وهو علم الناس ما يكتبونه وعلمه الله ذلك بما أوحاه إليه .
وهذا الكلام الذي أنزل عليه هو آية وبرهان على نبوته فإنه لا يقدر عليه الإنس والجن . {
nindex.php?page=tafseer&surano=2134&ayano=17قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1412&ayano=10أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } وفي الآية الأخرى {
nindex.php?page=tafseer&surano=1497&ayano=11فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1498&ayano=11فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون }
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ بَيَانَ هَذِهِ الْأُصُولِ وَقَعَ فِي أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ . فَإِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=29067أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } عِنْدَ جَمَاهِيرِ
[ ص: 255 ] الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ قِيلَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=5570&ayano=74يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ
جَابِرٍ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . فَإِنَّ [ مَا ] فِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ يُبَيِّنُ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي
غَارِ حِرَاءٍ وَأَنَّ " الْمُدَّثِّرَ " نَزَلَتْ بَعْدُ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي . فَإِنَّ قَوْلَهُ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=17اقْرَأْ } أَمْرٌ بِالْقِرَاءَةِ لَا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَبِذَلِكَ صَارَ نَبِيًّا . وَقَوْلُهُ {
nindex.php?page=tafseer&surano=5571&ayano=74قُمْ فَأَنْذِرْ } أَمْرٌ بِالْإِنْذَارِ وَبِذَلِكَ صَارَ رَسُولًا مُنْذِرًا .
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ
الزُّهْرِيِّ عَنْ
عُرْوَةَ عَنْ {
nindex.php?page=hadith&LINKID=597857عَائِشَةَ قَالَتْ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ . فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ . ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَأْتِي غَارَ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدَ لِذَلِكَ . ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ .
فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ .
قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئِ .
قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ .
[ ص: 256 ] فَقُلْت : مَا أَنَا بِقَارِئِ .
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ .
فَقُلْت : مَا أَنَا بِقَارِئِ .
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةُ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : { nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } { nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } { nindex.php?page=tafseer&surano=6205&ayano=96اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } { nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } { nindex.php?page=tafseer&surano=6207&ayano=96عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } .
فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ . فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خويلد فَقَالَ : زَمِّلُونِي . زَمِّلُونِي [ فَزَمَّلُوهُ ] حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ .
فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيت عَلَى نَفْسِي .
فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : كَلَّا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتُعِينَ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ .
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ [ ص: 257 ] الْعُزَّى ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ . وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ .
فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : يَا ابْنَ عَمٍّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيك .
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى ؟ .
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى .
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى . يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إذْ يُخْرِجُك قَوْمُك .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ .
قَالَ : نَعَمْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْت بِهِ إلَّا عُودِي . وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزَّرًا .
} ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ
وَرَقَةُ أَنْ تُوَفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ .
قَالَ
ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ سَمِعْت
nindex.php?page=showalam&ids=233أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَخْبَرَنِي
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ
[ ص: 258 ] عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=597858فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْت صَوْتًا فَرَفَعْت بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءِ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَجِئْت حَتَّى هَوَيْت إلَى الْأَرْضِ . فَجِئْت أَهْلِي فَقُلْت : زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُونِي . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { nindex.php?page=tafseer&surano=5570&ayano=74يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } { nindex.php?page=tafseer&surano=5571&ayano=74قُمْ فَأَنْذِرْ } إلَى قَوْلِهِ { nindex.php?page=tafseer&surano=5574&ayano=74وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } } .
فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ " الْمُدَّثِّرَ " نَزَلَتْ بَعْدَ تِلْكَ الْفَتْرَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَنْ عَايَنَ الْمَلَكَ الَّذِي جَاءَهُ
بِحِرَاءِ أَوَّلًا . فَكَانَ قَدْ رَأَى الْمَلَكَ مَرَّتَيْنِ .
وَهَذَا يُفَسِّرُ حَدِيثَ
جَابِرٍ الَّذِي رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَمَا أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ {
nindex.php?page=hadith&LINKID=597859يَحْيَى بْن أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : سَأَلْت nindex.php?page=showalam&ids=233أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ . قَالَ : { nindex.php?page=tafseer&surano=5570&ayano=74يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } . قُلْت : يَقُولُونَ { nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } . فَقَالَ nindex.php?page=showalam&ids=233أَبُو سَلَمَةَ : سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ [ و ] قُلْت لَهُ مِثْلَ مَا قُلْت فَقَالَ جَابِرٌ : لَا أُحَدِّثُك إلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَاوَرْت بِحِرَاءِ ; فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي هَبَطْت فَنُودِيت فَنَظَرْت عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا . فَرَفَعْت رَأْسِي فَرَأَيْت شَيْئًا . فَأَتَيْت خَدِيجَةَ فَقُلْت دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا .
[ ص: 259 ] قَالَ : فَنَزَلَتْ { nindex.php?page=tafseer&surano=5570&ayano=74يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } { nindex.php?page=tafseer&surano=5571&ayano=74قُمْ فَأَنْذِرْ } { nindex.php?page=tafseer&surano=5572&ayano=74وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } } .
فَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ الْمُتَقَدِّمَ وَإِنَّ " الْمُدَّثِّرَ " نَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ هَبَطَ مِنْ الْجَبَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَبَعْدَ أَنْ نَادَاهُ الْمَلَكُ حِينَئِذٍ . وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ هَذَا الْمَلَكَ هُوَ الَّذِي جَاءَهُ
بِحِرَاءِ وَقَدْ بَيَّنَتْ
عَائِشَةُ أَنَّ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=17اقْرَأْ } نَزَلَتْ حِينَئِذٍ فِي
غَارِ حِرَاءٍ . لَكِنْ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَنَّ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=17اقْرَأْ } نَزَلَتْ حِينَئِذٍ بَلْ عَلِمَ أَنَّهُ رَأَى الْمَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَدْ يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُ مِنْهُ . لَكِنَّ فِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ زِيَادَةَ عَلِمَ وَهُوَ أَمْرُهُ بِقِرَاءَةِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=17اقْرَأْ } .
وَفِي حَدِيثِ
الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمَّى هَذَا " فَتْرَةَ الْوَحْيِ " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ " فَتْرَةُ الْوَحْيِ " . فَقَدْ يَكُونُ
الزُّهْرِيُّ رَوَى حَدِيثَ
جَابِرٍ بِالْمَعْنَى وَسَمَّى مَا بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ " فَتْرَةَ الْوَحْيِ " كَمَا بَيَّنَتْهُ
عَائِشَةُ ; وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ
جَابِرٌ سَمَّاهُ " فَتْرَةَ الْوَحْيِ " فَكَيْفَ يَقُولُ إنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ ؟ .
وَبِكُلِّ حَالٍ
فَالزُّهْرِيُّ عِنْدَهُ حَدِيثُ
عُرْوَةَ عَنْ
عَائِشَةَ ; وَحَدِيثُ
nindex.php?page=showalam&ids=233أَبِي سَلَمَةَ عَنْ
جَابِرٍ ; وَهُوَ أَوْسَعُ عِلْمًا وَأَحْفَظُ مِنْ
يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ لَوْ اخْتَلَفَا . لَكِنْ
يَحْيَى ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ
nindex.php?page=showalam&ids=233أَبَا سَلَمَةَ عَنْ الْأُولَى فَأَخْبَرَ
جَابِرٌ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ مَا نَزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ
وَعَائِشَةُ أَثْبَتَتْ وَبَيَّنَتْ .
[ ص: 260 ] وَالْآيَاتُ آيَاتُ " اقْرَأْ " و " الْمُدَّثِّرُ " تُبَيِّنُ ذَلِكَ وَالْحَدِيثَانِ مُتَصَادِقَانِ مَعَ الْقُرْآنِ وَمَعَ دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ هُوَ الْمُنَاسِبُ .
وَإِذَا كَانَ أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6205&ayano=96اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6207&ayano=96عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى إثْبَاتُ الْخَالِقِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ .
وَفِيهَا وَفِي الثَّانِيَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى إمْكَانِ النُّبُوَّةِ وَعَلَى نُبُوَّةِ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّهُ قَالَ
nindex.php?page=treesubj&link=29067 { nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ثُمَّ قَالَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } . فَذَكَرَ الْخَلْقَ مُطْلَقًا ثُمَّ خَصَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ عَلَقٍ . وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْدُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ عَلَقٍ . وَهَؤُلَاءِ بَنُو
آدَمَ .
وَقَوْلُهُ الْإِنْسَانُ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ النَّاسِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ
آدَمَ الَّذِي خُلِقَ مِنْ طِينٍ . فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ الدَّلِيلِ عَلَى الْخَالِقِ تَعَالَى وَالِاسْتِدْلَالُ إنَّمَا يَكُونُ بِمُقَدِّمَاتِ
[ ص: 261 ] يَعْلَمُهَا الْمُسْتَدِلُّ . وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ دَلَالَةِ النَّاسِ وَهِدَايَتِهِمْ وَهُمْ كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ النَّاسَ يُخْلَقُونَ مِنْ الْعَلَقِ .
فَأَمَّا خَلْقُ
آدَمَ مِنْ طِينٍ فَذَاكَ إنَّمَا عُلِمَ بِخَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ بِدَلَائِلَ أُخَرَ . وَلِهَذَا يُنْكِرُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْكُفَّارِ
الدَّهْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِالنُّبُوَّاتِ .
وَهَذَا بِخِلَافِ ذِكْرِ خَلْقِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ . فَإِنَّ ذَاكَ ذِكْرُهُ لِمَا يُثْبِتُ النُّبُوَّةَ وَهَذِهِ السُّورَةُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ وَبِهَا تَثْبُتُ النُّبُوَّةُ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مَا عُلِمَ بِالْخَبَرِ بَلْ ذَكَرَ فِيهَا الدَّلِيلَ الْمَعْلُومَ بِالْعَقْلِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ لِمَنْ لَمْ يَرَ الْعَلَقَ .
وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ الْعَلَقِ وَهُوَ جَمْعُ " عَلَقَةٍ " وَهِيَ الْقِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنْ الدَّمِ لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ نُطْفَةً وَالنُّطْفَةُ قَدْ تَسْقُطُ فِي غَيْرِ الرَّحِمِ كَمَا يَحْتَلِمُ الْإِنْسَانُ وَقَدْ تَسْقُطُ فِي الرَّحِمِ ثُمَّ يَرْمِيهَا الرَّحِمُ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ عَلَقَةً . فَقَدْ صَارَ مَبْدَأً لِخَلْقِ الْإِنْسَانِ وَعُلِمَ أَنَّهَا صَارَتْ عَلَقَةً لِيُخْلَقَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ .
وَقَدْ قَالَ فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=5663&ayano=75أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5664&ayano=75ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5665&ayano=75فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=5666&ayano=75أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } فَهُنَا ذَكَرَ هَذَا عَلَى إمْكَانِ النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ التُّرَابِ . وَلِهَذَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=2622&ayano=22يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } فَفِي الْقِيَامَةِ اسْتَدَلَّ بِخَلْقِهِ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَفِي الْحَجِّ ذَكَرَ خَلْقَهُ مِنْ تُرَابٍ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ . وَذِكْرُ أَوَّلِ الْخَلْقِ أَدَلُّ عَلَى إمْكَانِ الْإِعَادَةِ .
وَأَمَّا هُنَا فَالْمَقْصُودُ
nindex.php?page=treesubj&link=29067_28661_28659_29426ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخَالِقِ تَعَالَى ابْتِدَاءً فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ وَهُوَ مِنْ الْعَلَقَةِ الدَّمُ يَصِيرُ مُضْغَةً وَهُوَ قِطْعَةُ لَحْمٍ كَاللَّحْمِ الَّذِي يُمْضَغُ بِالْفَمِ ثُمَّ تَخَلَّقَ فَتُصُوِّرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=2622&ayano=22ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ } فَإِنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَقْذِفُهَا غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ . فَبَيَّنَ لِلنَّاسِ مَبْدَأَ خَلْقِهِمْ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ بِأَعْيُنِهِمْ .
وَهَذَا الدَّلِيلُ وَهُوَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ مِنْ عَلَقٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ . فَإِنَّ النَّاسَ هُمْ الْمُسْتَدِلُّونَ وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ وَالْآيَةُ . فَالْإِنْسَانُ هُوَ الدَّلِيلُ وَهُوَ الْمُسْتَدِلُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=4747&ayano=51وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } وَقَالَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=4312&ayano=41سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } . وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=4822&ayano=52أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } .
[ ص: 263 ] وَهُوَ دَلِيلٌ يَعْلَمُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَذْكُرُهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ فِي نَفْسِهِ وَفِيمَنْ يَرَاهُ مِنْ بَنِي جِنْسِهِ . فَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى الْمَبْدَأِ وَالْمُعَادِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {
nindex.php?page=tafseer&surano=2335&ayano=19وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا } {
nindex.php?page=tafseer&surano=2336&ayano=19أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا } وَقَالَ تَعَالَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=3819&ayano=36وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=3820&ayano=36قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } .
وكذلك قَالَ
زَكَرِيَّا لَمَّا تَعَجَّبَ مِنْ حُصُولِ وَلَدٍ عَلَى الْكِبَرِ فَقَالَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=2277&ayano=19أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا } {
nindex.php?page=tafseer&surano=2278&ayano=19قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } وَلَمْ يُقَلْ " إنَّهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِ " كَمَا قَالَ فِي الْمَبْدَأِ وَالْمُعَادِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=3466&ayano=30وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } .
وقال سُبْحَانَهُ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } بَعْدَ أَنْ قَالَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=2الَّذِي خَلَقَ } . فَأَطْلَقَ الْخَلْقَ الَّذِي يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ ثُمَّ عَيَّنَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ فَكَانَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ حُدُوثُهُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=2الَّذِي خَلَقَ } .
وذكر بَعْدَ الْخَلْقِ التَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ التَّعْلِيمُ بِالْقَلَمِ وَتَعْلِيمُ الْإِنْسَانِ مَا لَمْ يَعْلَمْ . فَخَصَّ هَذَا التَّعْلِيمَ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى إمْكَانِ النُّبُوَّةِ .
وَلَمْ يُقَلْ هُنَا " هُدَى " فَيَذْكُرُ الْهُدَى الْعَامَّ الْمُتَنَاوَلَ لِلْإِنْسَانِ
[ ص: 264 ] وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6036&ayano=87سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6037&ayano=87الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6038&ayano=87وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } وَكَمَا قَالَ
مُوسَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=2418&ayano=20رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيمَ الْخَاصَّ يَسْتَلْزِمُ الْهُدَى الْعَامَّ وَلَا يَنْعَكِسُ . وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى إثْبَاتِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ نَوْعٌ مِنْ التَّعْلِيمِ .
وَلَيْسَ جَعْلُ الْإِنْسَانِ نَبِيًّا بِأَعْظَمَ مِنْ جَعْلِهِ الْعَلَقَةَ إنْسَانًا حَيًّا عَالِمًا نَاطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا قَدْ عَلِمَ أَنْوَاعَ الْمَعَارِفِ ; كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ إعَادَتِهِ . وَالْقَادِرُ عَلَى الْمَبْدَأِ كَيْفَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُعَادِ ؟ وَالْقَادِرُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيمِ كَيْفَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَاكَ التَّعْلِيمِ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَا يُحِيطُ أَحَدٌ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ ؟ وَقَالَ سُبْحَانَهُ أَوَّلًا {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } فَأَطْلَقَ التَّعْلِيمَ وَالْمُعَلِّمَ فَلَمْ يَخُصَّ نَوْعًا مِنْ الْمُعَلِّمِينَ . فَيَتَنَاوَلُ تَعْلِيمَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَمَا تَنَاوَلَ الْخَلْقَ لَهُمْ كُلَّهُمْ .
وَذَكَرَ التَّعْلِيمَ بِالْقَلَمِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْلِيمَ الْخَطِّ وَالْخَطُّ يُطَابِقُ اللَّفْظَ وَهُوَ الْبَيَانُ وَالْكَلَامُ . ثُمَّ اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ الَّتِي فِي الْقَلْبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ عِلْمٍ فِي الْقُلُوبِ .
وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي نَفْسِهِ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الذِّهْنِ ثُمَّ
[ ص: 265 ] يَتَصَوَّرُهُ الذِّهْنُ وَالْقَلْبُ ثُمَّ يُعَبِّرُ عَنْهُ اللِّسَانُ ثُمَّ يَخُطُّهُ الْقَلَمُ . فَلَهُ وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَذِهْنِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَذْهَانِ وَاللِّسَانِ وَالْبَنَانِ . لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ هُوَ وَأَمَّا الثَّلَاثُ فَإِنَّهَا مِثَالٌ مُطَابِقٌ لَهُ . فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالثَّلَاثَةُ مُعَلِّمَةٌ . فَذَكَرَ الْخَلْقَ وَالتَّعْلِيمَ لِيَتَنَاوَلَ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ فَقَالَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=96اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6205&ayano=96اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6207&ayano=96عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي
nindex.php?page=treesubj&link=28606الْمَاهِيَّاتِ هَلْ هِيَ مَجْعُولَةٌ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ مَاهِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ زَائِدَةٌ عَلَى وُجُودِهِ ؟ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيْنَ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ وَيُوجَدُ فِي الْخَارِجِ .
فَإِنْ أُرِيدَ الْمَاهِيَّةَ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ . وَبِالْوُجُودِ مَا فِي الْخَارِجِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْمَاهِيَّةُ غَيْرُ الْوُجُودِ إذَا كَانَ مَا فِي الْأَعْيَانِ مُغَايِرًا لِمَا فِي الْأَذْهَانِ .
وَإِنْ أُرِيدَ بِالْمَاهِيَّةِ مَا فِي الذِّهْنِ أَوْ الْخَارِجِ أَوْ كِلَاهُمَا وَكَذَلِكَ بِالْوُجُودِ فَاَلَّذِي فِي الْخَارِجِ مِنْ الْوُجُودِ هُوَ الْمَاهِيَّةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ وَكَذَلِكَ مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ هَذَا هُوَ هَذَا لَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْئَانِ .
[ ص: 266 ] وَهُوَ
nindex.php?page=treesubj&link=28661_28784سُبْحَانَهُ عَلِمَ مَا فِي الْأَذْهَانِ وَخَلَقَ مَا فِي الْأَعْيَانِ وَكِلَاهُمَا مَجْعُول لَهُ . لَكِنَّ الَّذِي فِي الْخَارِجِ جَعَلَهُ جَعْلًا خِلْقِيًّا . وَاَلَّذِي فِي الذِّهْنِ جَعَلَهُ جَعْلًا تَعْلِيمِيًّا . فَهُوَ الَّذِي {
nindex.php?page=tafseer&surano=6203&ayano=2خَلَقَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6204&ayano=96خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } وَهُوَ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6205&ayano=96الْأَكْرَمُ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=6207&ayano=96عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } .
وَقَوْلُهُ {
nindex.php?page=tafseer&surano=6206&ayano=96عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } يَدْخُلُ فِيهِ تَعْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ الْكَاتِبِينَ وَيَدْخُلُ فِيهِ تَعْلِيمُ كُتُبِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ . فَعَلَّمَ بِالْقَلَمِ أَنْ يَكْتُبَ كَلَامَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ بَلْ هُوَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ
لِمُوسَى .
وَكَوْنُ
مُحَمَّدٍ كَانَ نَبِيًّا أُمِّيًّا هُوَ مِنْ تَمَامِ كَوْنِ مَا أَتَى بِهِ مُعْجِزًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ وَمِنْ تَمَامِ بَيَانِ أَنَّ تَعْلِيمَهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ تَعْلِيمٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=3417&ayano=29وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } فَغَيْرُهُ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ عِلْمُ النَّاسِ مَا يَكْتُبُونَهُ وَعَلَّمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِمَا أَوْحَاهُ إلَيْهِ .
وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ هُوَ آيَةٌ وَبُرْهَانٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ . {
nindex.php?page=tafseer&surano=2134&ayano=17قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1412&ayano=10أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى {
nindex.php?page=tafseer&surano=1497&ayano=11فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } {
nindex.php?page=tafseer&surano=1498&ayano=11فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }